روحا قوية تحمل هذا الجسد
كل ما في الأمر أنني نظرت في السماء... كانت سماءً بعد مطرٍ غزير, رأيت الشمس تبحث عن ثغرة لترسل أشعتها القوية والحارقة على جسدي الأسمر المتوسط الطول والوزن والمكسو بقطعتي ملابس عادية لا تلفت كثيرا من الأنظار تناسب عطلة الأسبوع وذلك في الظهيرة عندما تزاحمت الغيوم لتحجب الشمس فكان المطر. حاولت أن ألعب والشمس لعبة البحث عن مخرج, فحلقت على الأرض بهدوءٍ خشية أن أتعثر فقد كنت أدرك أن قدماي مازالتا على الأرض. فبينا كنت أحلق رأيت سماءً واسعة , تكاد تحوي كل شيء, فالغيوم فيها تسبح والطيور فيها تغرد, وأدخنة المصانع فيها تغور, والأصوات اليها تعلو, والطائرات فيها تحلق, فأغرورقت عيناي بقليل من الماء المالح أما عقلي فله نظرته الخاصة, فقد بدأ يتمتم :" السماء مليئة بالأمل, وربما كلما صعب عليّ أمر اغترفت منها قليلا"... "إذا سألني أحدهم ماذا تنصح كل مثابر فسأجيب : فقط أنظر في السماء متى سنحت لك الفرصة"..." يوما ما ستسبح روحي في هذه السماء, انه اليوم الذي أترك فيه هذا الجسد"...نعم, انها تلك التمتمات العشوائية التي يحبها العقل.
لقد حملني هذا الجسد طويلا- الحمد لله- ولهذا أنا أعبر عن احترامي لهذا الجسد الصحيح – الحمد لله أخرى -, في هذه الأثناء تذكرت وتمعنت في أجساد أولئك الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم, وبدأت المقارنة. هناك تشابه تامّ في الأعضاء, وربما اختلاف قليل في الضخامة والقامة واللون والقوة وهي – أيضا – تحمل أ شخاصها الى مصير لم يكونوا بالغيه إلا بها.
لديّ صديق يعرف الكثير عن الناس الذين من حولنا, وكلما تسنت الفرصة والتقينا بشخص أو مرّ بجانبنا آخر أسمعه يردد :" فلان ذكيّ, فلان فاهم, فلان مجتهد, فلان عبقري, فلان يبذل الكثير من الوقت والجهد في سبيل غاية محمودة, فلان فعل كذا وكذا, فلان أثار الاعجاب" وكنت أرى أنّ ما يقوله صحيح, ولكنّي تساءلت أيّ فلان أنا.
لا شك أن كل انسان هو شيء خاص وفريد, وكل انسان هو قصة لا تشبه غيرها من القصص, أشعر بالطمائنينة عندما أرى أنني أنا ولست غيري, لأن الأمر سيكون صعبا على جسدي أن تسكن فيه روحان أو قلبان. وغاية الصعوبة أن أعجب بشخص أشد الإ عجاب فيسلب لبّي ويتحكم في شيء من أفكاري وينازعني استقلاليتي وحريتي في رحلتي مع جسدي. فالسماء التي رأيتها والطيور التي كانت تغرد والجمال الذي يكسو من يرتديه والعظماء من الناس لن أسمح لهم بأن يسلبوا شيئاً منّي, ولكني سأحب السماء الواسعة وسأتغنى بصوت العصافير, وسأجعل شيئا من اعجابي للجمال وقدراً مناسباً من الإحترام للأشخاص والجماعات.
ربما كنت أنت قد قارنت يوما جسدك بجسد غيرك ولاحظت أنهما متشابهان, وربما مارست رياضة بناء الأجسام لتحصل على عضلات قوية, ورغم هذا كله تظل تلحظ فارقا واضحاً في رحلة هذه الأجساد في هذه الحياة. عندها ستدرك أن الأرواح هي من تحمل الأجساد وهي من تسلك المصير وتحثّ أو تبطؤ المسير, والروح هي من تَحْبُكُ قصةً فريدة لكلِّ إنسان, والروح هي من تجعل من الشخص لا يكلّ ولا يملّ, والروح هي من تجعل منك أنت لا غيرك.
إن روحا قوية تحمل هذا الجسد هي كل ما يحتاجه المرء في حياته, من أين لي بهذه القوة هو تساؤل أعرف إجابته. الروح تعشق السماء, ولهذا ستطير يوما ما لتكون أكثر خفة. الروح القوية تحتاج الى غذاء دائم ومتواصل طالما سكنت هذا الجسد, وطالما كان غذاء الروح شيئا مقرونا بالرقي في السماء والتخلّي عن كثير من أثقال الأرض. الروح القوية ليست الروح العنيدة, فالأخرى لن تحقق الكثير لأنها لا تعشق السماء كثيرا. إن " ثاوٍ على صخر أصمّ وليت لي قلبا كهذي الصخرة الصّماء" روحا تتمنى أن تكان في جسدٍ آخر. كلّ ما أحتاجه هو روحا قوية تحمل هذا الجسد وقلبا نابضا بالأمل حتى ذلك اليوم الذي تطير فيه روحي حرة
alwaddah